المقريزي
162
إمتاع الأسماع
فهذه السورة تكون متداولة في أفواههم كالشاهد عليهم ، الموقف لهم على صحة ما قيل لهم ، فلما نصت التوراة على أن هذه السورة لا تنسي من أفواه أولادهم دل على أن غيرها من السور ليس [ كذلك ] . وأنه يجوز أن ينسي من أفواههم . وهذا يدل على أن موسى عليه السلام لم يعط بني إسرائيل من التوراة إلا هذه السورة ، وأما التوراة نفسها فدفعها إلى أولاد هارون ، وجعلها فيهم ، وصانها عن سواهم . وهؤلاء الأئمة الهارونيون الذين كانوا يعرفون التوراة ويحفظون أكثرها قتلهم بخت نصر يوم فتح بيت المقدس ، وحرق التوراة والمزامير كما حرقها نردوش اليوناني لما استولى على القدس . ولم يكن حفظ التوراة فرضا عليهم ولا سنة بل كان كل أحد من الهارونيين يحفظ فصلا من التوراة ، فلما رأى عزرا أن القوم قد احترق هيكلهم ، وزالت دولتهم ، ورفع كتابهم ، جمع من مخطوطاته ومن الفصول التي تحفظها الكهنة ما اجتمعت منه هذه التوراة التي بأيديهم ، وذلك بعد حين من السنين ، ولذلك بالغوا في تعظيم عزرا هذا غاية المبالغة ، وزعموا أن النور الآن يظهر على قبره - وهو على بطائح العراق - لأنه جمع لهم ما يحفظ دينهم ، وغلا بعضهم فيه حتى قالوا : هو ابن الله ، ولذلك نسب الله تعالى ذلك إلى اليهود بقوله : [ وقالت اليهود عزير ابن الله ] ( 1 ) نسبة إلى جنسهم لا إلى كل فرد منهم . فهذه التوراة التي بأيديهم في الحقيقة كتاب عزير ، وفيها من التوراة التي أنزلها الله على موسى ، وأول دليل على أنها ليست التوراة التي أنزلها الله أنه قال في آخرها : وتوفي هناك موسى عبد الله في أرض موآب بقول الرب ، ودفنه في الوادي في عربات موآب ( 2 ) ، ولم يعرف إنسان موضع قبره إلى اليوم ، وكان قد أتى على موسى يوم
--> ( 1 ) التوبة : 30 . ( 2 ) موآب أرض للموآبيين ، ويقابلها اليوم القسم الشرقي من البحر الميت لمملكة الأردن اليوم ، وكان طولها 50 ميلا وعرضها 20 ميلا ، وتنقسم إلى قسمين : 1 - أرض موآب ، وهي ما وقع شرقي البحر الميت وتسمى أيضا بلاد موآب ، 2 - عربات موآب ، وهي ما كان في وادي الأردن مقابل أريحا . ( قاموس الكتاب المقدس ) : 827 - 828 .